محمد بن جعفر الكتاني

338

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

كان - رحمه اللّه - من الأئمة المعتمدين في فن القراءات ، مرجوعا إليه في المقاري السبعة فما فوقها إلى العشر . وأخذها عنه خلائق من فاس وغيرها ، وصدّر لذلك بمسجد القرويين . وكان كثير الصمت ، حسن السمت ، كريم الأخلاق ، ذا حياء وهيبة وهمة ، ووقار وسكينة ، تعتريه الأحوال الربانية عند الذكر ونحوه ، وكثيرا ما تظهر عليه علامات الخير عند الواردات الوهبية ، وتغلب عليه ؛ فيبشر ويخبر ، ولا يتبدل حاله إلا إذا غلب عليه ذلك ؛ فيخرج منه ما يخرج ، وكان يقرئ الصبيان بمكتب باب زنقة الجياد من حومة البليدة ، ويؤم الناس في صلاة تراويح رمضان بمسجد مولانا إدريس ، ويورق كتب الوعظ عند الفجر به أيضا ، والتفسير بعد صلاة الصبح عند محراب القرويين ، و " الحلية " بظهر صومعتها عند العصر . وكان لقراءته حلاوة ، وعليها طلاوة ، قال في " نشر المثاني " : « وسمعت بعض الناس ممن خالطه يحدث عنه بكرامات وخوارق عادات » . ه . أخذ علم القراءات عن العلامة الأستاذ البركة سيدي إدريس بن محمد بن أحمد المنجرة الشريف الحسني الإدريسي ، وطريقة التصوف عن الشيخ العارف باللّه سيدي محمد ابن الفقيه ، وبه تربى وتهذب ، وتخلق وتأدب ، حتى ظهرت عليه بركته ، وشملته عنايته وعطفته ، وألف في مناقبه تأليفا كما تقدم [ 298 ] ، وقد أخبر في هذا التأليف عن نفسه أنه : كان مرة جالسا في بيت من داره صبيحة إحدى وعشرين من رمضان عام ثلاثين ومائة وألف ؛ إذ قيل له في باطنه : « غفر اللّه لسبعمائة هكذا ، ولسبعمائة هكذا ، ولسبعمائة هكذا ، ولسبعمائة هكذا ، ولسبعمائة هكذا ، ولسبعمائة هكذا . . . » ، قال : « يعني من أمامي ، وخلفي ، وعن يميني ، وعن شمالي ، وجنبا من جهة الركن الأيمن ، وجنبا من جهة الركن الأيسر » . وقال فيه أيضا : « كنت جالسا بضريح مولانا إدريس - رضي اللّه عنه ، ونفعنا ببركاته - قبل وقت صاحب السلام ، إذ قيل لي في باطني : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . [ النحل : 125 ] ، فعلمت أنه قد أذن لي في القبول » . ه . يعني : في قبول الخلق وتربيتهم . وكان شيخه المذكور قد جعله مقدما على الفقراء ؛ فطلب منه بعض أصحابه أن يقدم عليهم غيره لكونه مشغولا بالقراءة مع الطلبة فتغيظ وقال له : « واللّه ما قدمته عليكم حتى أذن لي النبي صلّى اللّه عليه وسلم في تقديمه . . . » ، وقال له شيخه المذكور مرة : « لا تخرج من الدنيا حتى تتولى هذا الأمر » . وقال يوما للفقراء : « عبد اللّه بن يخلف ؛ بدل مني وأنا بدل منه ! » .